ابن عجيبة
117
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
مفاعيل ، ولزم في الآية أن يقول : أرأيتكموكم ، بل الفعل معلق ، أو المفعول محذوف ، وتقديره : أرأيتكم آلهتكم تنفعكم إذ تدعونها إن أتاكم عذاب اللّه ، ويدل عليه : ( أغير اللّه تدعون ) . ه . وجواب ( إن ) : محذوف ؛ أي : إن أتاكم عذاب اللّه أو أتتكم الساعة فمن تدعون ؟ وجواب ( إن كنتم ) : محذوف أيضا ؛ أي : إنّ كنتم صادقين في أنّ غير اللّه ينفعكم فادعوه ، ثم وصفهم بأنهم لا يدعون حينئذ إلا اللّه . يقول الحق جل جلاله : قُلْ لهم يا محمد : أَ رَأَيْتَكُمْ أي : أخبروني إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ في الدنيا كما أتى من قبلكم ، أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ وأهوالها ، أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ وتلتجئون إليه في كشف ما نزل بكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن الأصنام آلهة ، لا ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ وحده ، فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ أي : ما تدعونه إلى كشفه ، إِنْ شاءَ أن يتفضل عليكم بالكشف في الدنيا ، وقد لا يشاء ، وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ أي : وتتركون آلهتكم في ذلك الوقت ؛ لما ركز في العقول من أنه قادر على كشف الضر دون غيره ، أو تنسون من شدة الأمر وهوله . الإشارة : إنما يظهر توحيد الرجال عند هجوم الأحوال ، فإن رجع إلى اللّه وحده ولم يلتفت إلى شئ سواه ، علمنا أنه من الأبطال ، وإن فزع إلى شئ من السّوى ، علمنا أنه من جملة الضعفاء . وعندهم من جملة أصول الطريق : الرجوع إلى اللّه في السراء والضراء ، فإن رجع إليه أجابه فيما يريد ، وفي الوقت الذي يريد ، وقد لا يريد على حسب إرادة المريد . واللّه تعالى أعلم . ثم حضّ على الرجوع إليه في حالة الضراء ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 42 إلى 45 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 44 ) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 45 ) يقول الحق جل جلاله ، تخويفا لهذه الأمة : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مضت مِنْ قَبْلِكَ رسلا فأنذروهم ، فكذبوا وكفروا فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ أي : الشدة ، كالقحط والجوع ، وَالضَّرَّاءِ كالأمراض والموت والفتن ، تخويفا لهم لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ أي : يتذللون ويتوبون من ذنوبهم ، فلم يفعلوا ، فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا أي : هلا تذللوا حين جاءهم البأس فنرحمهم ، وفيه دليل على نفع التضرع حين الشدائد ، وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ